في صبيحة الجمعة السابع عشر من أيّار مايو 2013 , سافرتُ لزيارةِ قريةٍ اسمها #جزيرة_فاضل , تابعة لمحلّة “أبو كبير” في محافظة الشرقية بجمهورية مصر العربية
في القرية تجمع للاجئين فلسطينيين , تعدادهم يربو على أربعة آلاف لاجىء كلّهم من عائلة “النامولي” , التي هُجّرت من “بئر السبع” غداة النكبة سنة 1948م
معظمنا سمع عن مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الشتات في سوريا والأردن ولبنان وفي أمريكا اللاتينية حتّى , ولم نكن نسمع عنهم شيئاً في مصر , ألقى بهم الزمن في جُبّ النسيان ثم أهال عليهم كُثبان التهميش والإقصاء ,
كنتُ ضمن وفدٍ من أكثر من سبعة دول عربية وأجنبية , كنّا زُهاء المئة , وصلنا عند منتصف النهار , توقفت بنا الحافلة على مشارف القرية , لتعذّر مرورها عبر الأزقة الضيقة
مدخل القرية تحوطهُ الغِيطان , الأمر الذي يدعوك لأن تأخذ أُهبتكَ للدخول إلى بستانٍ أو روضةٍ غنّاء
ترجلّنا من الحافلات , سرنا في منعرجات أودت بنا إلى قلب القرية , استقبلنا الأهالي والأطفال بدهشةٍ تخالطها ريبة وترحاب ,
لبيوتهم سُقُفاً من جريد , وجدارنها من طينٍ لازب , كان في انتظارنا أعيان عائلة النامولي , انقسمنا إلى فسطاطين , فسطاط ذهب ليجلب الأطفال لإهدائهم الهدايا , وبقي الآخر مع الأعيان
في الأزقة المُتعرّجة كمَتاهة , كان يلاحقنا الذباب والأطفال , وعلى جنباتها صادفتنا بعض المواشي والحمير
حدّثنا الأهالي -بلهجةٍ مصرية- عن ظروف معيشتهم الصعبة , أدنى سُبل الحياة الكريمة معدومةٌ هناك , لامشافي لا صرف صحي ولا مدارس , إلاّ مدرسة واحدة خارج القرية , تفرض عليهم رسوماً -تبدو رمزية- لكنهم لايطيقونها , لشدّة عوزهم ,
شباب القرية يعملون في جني الثمار من المزارع المحاذية لقريتهم
بعضهم يحلم بالعودة لفلسطين والبعض يريد حياةً كريمةً فحسب
بُعيد العصر شرع بعض الأطباء المرافقين في تنظيم جولات للمنازل , لتشخيص المرضى ومعرفة الأمراض المتفشية , وماهي الأدوية التي يحتاج إليها السكّان , ليتم تجهيزها وإرسالها مع القافلة الطبية التي سيتم تسييرها في القريب العاجل
وقتها كان يتحتّم عليّ العودة إلى القاهرة لارتباطي بموعدٍ يأبى التأجيل , أُسقطَ في يدي حين علمت بأن الوفدَ باقٍ لدلوكِ الشمس , وبينا أنا حائرٌ أُفكّر , لمحتُ شاباً على دراجةٍ نارية , ألقيت عليه السلام وسألته إن كان باستطاعته أن يخرجني من القرية , وأنا أتدبر أمري , سألني عن وجهتي التي أقصد
مواقف الباصات التي تنقل الركاب من “أبو كبير” إلى “الزقازيق” ومنها إلى القاهرة -
فترادفت خلفه أنا وصديقي ,
في الطريق حكى لي عن أن أهم مشكلة تواجه القرية هي انعدام التعليم , وأنه لو أتيحت لهم فرصة التعلم لما تردّت أحوالهم , وبثّني همومه بشأن سوريا ومايحدثُ فيها من قتال
بعد ربع ساعة أو يزيد وصلنا لموقف الباصات , أعطيته أجرته , فشعر بالإهانة ونهرني لفعلتي هذه
ورفض بشدة أن يقبل منّي ملّيماً , وقال لي أنتم ضيوفنا , ثم صافحني وامتطى صهوة دراجته النارية مُبتسماً , لم أستغرب صنيعه لإنني خبرتُ كرم الفلسطينيين وحسن ضيافتهم حين زرتُ غزة .
الصورتان المُرفقتان التقطتهما لطفلتين من أطفال القرية
خلُصت إلى أن كل أطفال جزيرة فاضل يتمثلّون قول نجيب سرور : “أنا ابنُ الشقاء , ربيبُ الزريبةِ والمصطبة”